ابن كثير
167
البداية والنهاية
الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك ، أو تحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، لا حول ولا قوة إلا بك " . قال فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة وما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس [ وقالا له ] ( 1 ) خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل ، فقل له يأكل منه . ففعل عداس ، ثم ذهب به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له : كل ، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فيه قال : " بسم الله " ثم أكل ، ثم نظر عداس في وجهه ثم قال : والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهل أي بلاد أنت يا عداس وما دينك ؟ قال نصراني ، وأنا رجل من أهل نينوى . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرية الرجل الصالح يونس بن متى . فقال له عداس : وما يدريك ما يونس بن متى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخي ، كان نبيا وأنا نبي . فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه ( 2 ) . قال يقول أبناء ربيعة أحدهما لصاحبه : أما غلامك فقد أفسده عليك . فلما جاء عداس قالا له : ويلك يا عداس ! مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه ؟ قال : يا سيدي ، ما في الأرض شئ خير من هذا لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي . قالا له : ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه . وقد ذكر موسى بن عقبة نحوا من هذا السياق إلا أنه لم يذكر الدعاء وزاد ، وقعد له أهل الطائف صفين على طريقه ، فلما مر جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة حتى أدموه فخلص منهم وهما يسيلان الدماء ، فعمد إلى ظل نخلة وهو مكروب وفي ذلك الحائط عتبة ( 3 ) وشيبة ابنا ربيعة ، فكره مكانهما لعداوتهما الله ورسوله . ثم ذكر قصة عداس النصراني كنحو ما تقدم . وقد روى الإمام أحمد عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا مروان بن معاوية الفزاري ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي ، عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي جبل العدواني ، عن أبيه أنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس - أو عصى - حين أتاهم يبتغي عندهم النصر ، فسمعته يقول : " والسماء والطارق " حتى ختمها . قال فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك ثم قرأتها في الاسلام قال : فدعتني ثقيف فقالوا : ماذا سمعت من هذا الرجل ؟ فقرأتها عليهم ،
--> ( 1 ) من سيرة ابن هشام . ( 2 ) قال السهيلي : وزاد التيمي فيها : إن عداسا حين سمعه يذكر ابن متى ، قال : والله لقد خرجت منها - نينوى - وما فيها عشرة يعرفون ما متى ، فمن أين عرفت أنت متى ؟ وأنت أمي وفي أمة أمية ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو أخي . ( 5 ) في دلائل البيهقي : عقبة ، والصواب ما أثبتناه .